الثلاثاء، 19 مايو 2026 | الموافق ٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

الفشل الذي أدير بأسم الدعم

حرب معلنة من داخل قلب الشرعية

استكمالًا للمقارنة التي طرحتها بالأمس والفارق بين ترجمة الدعم الخارجي السعودي والإماراتي لليمن، تبدو المشكلة في بلدنا أبعد بكثير من سؤال الدعم وحجمه، فالسعودية لم تبخل يومًا بالمال ولا بالإسناد السياسي والعسكري، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، أين ذهب أثر كل ذلك؟ ولماذا لم ينعكس ذلك على حياة الناس بالصورة التي توازي حجم ما قدم؟

لو فتشنا اليوم عن نموذج سعودي وصل إلى الناس كأثر ملموس، فسيجدون أن مستشفى سمو الأمير محمد بن سلمان في عدن يكاد يكون المثال الأوضح، والسبب في ذلك ليس فقط في حجم المشروع، بل في أن هذا المشروع بقي بعيدًا نسبيًا عن قبضة البنية الإخوانية وآلياتها في ابتلاع الموارد وتحويلها إلى شبكات نفوذ، ولهذا السبب وصل المشروع إلى الناس كما هو، خدمة واضحة، وأثر مباشر، وصورة إيجابية للدعم الأخوي السعودي.

في المقابل، تكشف التجربة في مناطق أخرى كيف جرى استنزاف الدعم السعودي داخل منظومة حزبية لا تتحرك بعقل الدولة، بل بعقل التنظيم، منظومة قذرة لا ترى في المال فرصة لبناء نموذج مستقر، بل مورد لإعادة إنتاج النفوذ، ومساحة لإدارة طويلة للمصالح والتوازنات، ولهذا لم تتحول المليارات إلى تنمية ولا إلى خدمات ولا حتى إلى إنجاز عسكري حاسم في المناطق التي تقع على تماس مباشر مع الأمن القومي السعودي نفسه.

صحيح الإخوان في اليمن لم يدخلوا في مواجهة مباشرة مع الرياض حتى الأن، لكنهم عملوا من داخل المجال الذي فتحته السعودية نفسها وأعادوا تشكيل أثرها بطريقة أضرت بها بشكل كبير، لم يصطدموا بالدعم بل استهلكوه لصالح مشروعهم.

ولم يهاجموا السعودية صراحة بل جعلوا نتائج حضورها تبدو هزيلة ومتناقضة أمام اليمنيين، ومع الوقت لم يعد المواطن يرى حجم ما قدمته السعودية بقدر ما يرى ويشاهد الفشل الذي أدير باسم هذا الدعم.

فهذه الجماعة لا تتحرك بمنطق الحليف، بل بمنطق التنظيم الذي يعتبر كل تحالف هو مساحة مؤقتة للتمكين وإعادة التموضع وفرض النفوذ، وكانت أخطر قدرتها ليست في الصدام، بل في التغلغل والسيطرة والتأثير على قنوات القرار وإعادة توجيه الموارد واحتكار التمثيل وإنتاج حالة من الاستنزاف الطويل الذي جعل الجميع يخسرون ما عدا الإخوان أنفسهم.

وبهذا المعنى، لم تكن الكارثة فقط في ما أصاب اليمن، بل أيضًا في الضرر العميق الذي لحق بصورة العلاقة مع السعودية. لأن الدعم حين يمر عبر بنية مأزومة أخلاقيًا وسياسيًا يفقد معناه ويتحول من فرصة لبناء الثقة إلى مادة للخيبة والشك، وهذا تحديدًا ما فعلته الجماعة، فهي لم تكتفي بإضعاف الدولة فقط بل ساهمت في تفكيك الأثر الأخوي والسياسي للسعودية داخل اليمن.